مصطفى لبيب عبد الغني
97
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
إذا كان من الثابت أن من خصائص الطب الأبقراطى - برغم عدم معرفتنا الدقيقة بمنابعه وبتفاصيله - إدخال الاعتبار والمنهج العلمي في شفاء الأمراض ، والسبق إلى وضع أول الوثائق الاكلينيكية ؛ " وهو أمر من الأهمية بمكان بحيث لا يفي به الإطراء مهما عظم " « 1 » ، وإذا كان العلم اليوناني لم يتغافل عن السعي إلى تحصيل المعرفة بمنهج ملائم وبحيث لم يعد هناك مجال للمقارنة بين من يسير بفن عند دراسته لشئ ما وبين من هو كفيف أو أصم « 2 » ، فإن الصورة التي يتم تقدير التراث الأبقراطى من خلالها ، كما تحدّدت عند سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وهم عمد الفكر اليوناني والمحدّدون لقدره من بعد - تبيّن لنا - بالفعل - تلك النقلة الهائلة التي حدثت بعد ذلك من منهج البحث القائم على الخبرة ومهارة أصحاب التجارب « 3 » إلى منهج البحث عن « الماهيات »
--> ( 1 ) سارتون ، جورج : « تاريخ العلم » ج 2 ص 232 وما بعدها ، من ترجمة كمال اليازجى ، دار المعارف القاهرة 1978 . ( 2 ) راجع : أفلاطون : « محاورة فايدروس » ص 116 ، ترجمة أميرة حلمى مطر ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ؛ القاهرة 1980 . ( 3 ) يشيد « سارتون » بما يورده « أبقراط » في الفصلين الأول والثالث من كتابه « الأويئة » من وصف حالات مرضية على نحو ما يفعل أطباؤنا اليوم مشيرا إلى ما يعتبره جوهريا لا أكثر ولا أقل . والمعلومات الواردة في ذلك الموضوع عبارة عن جمهرة من « الأنظمة الصحبة » ومجموعة خاصة من الأمثلة الاكلينيكية . وتصف هذه الأنظمة ملابسات المناخ وأحوال المرض العامة في مواضع معينة . أما الحوادث الاكلينيكية فعددها اثنتان وأربعون انتهت خمس وعشرون منها بالوفاة . وتتميّز هذه الملاحظات الطبية بطابع علمي ولهجة رصينة تثير الإعجاب . « ووثق أبقراط - شأن العالم الحق - أن الصدق ينبغي أن يقدّم على كل اعتبار آخر . ولذا دوّن حوادث إخفاقه بالدقة التي اعتمدها في تسجيل ما حالفه فيه النجاح . . . إن مزايا عبقرية أبقراط العلمية تتجلى في ملاحظاته الدقيقة وأحكامه المعتدلة وحبه للحق » ( تاريخ العلم ، ج 2 ص 230 - 231 ) . « ومن الملاحظ أن فكرة تدوين الحالات الاكلينيكية وجمعها ، كما حققها هو في « كتاب الأويئة » Epidemics لم تستأنف من بعده . أما القصص التي رواها جالينوس فهي في روحها دون اكلينيكيات أبقراط ، وهي أقرب إلى الإعلان عن النفس منها إلى تقارير صادقة سهلة علي الطريقة الابقراطية ، ذلك لأن جالينوس كان همه تمجيد اسمه وإذاعة شهرته أكثر مما يهمه نشر الحقيقة ، ولا نعثر بعد جالينوس على تقارير اكلينيكية حتى عهد الرازي ( النصف الثاني من القرن التاسع ) ولا أستطيع أن أذكر ، من بعد هذا ، إلا شذرات قليلة مما خلفته العصور الوسطى في نظام الأكل regimina والإرشاد الصحي Consilia ، وتحليل « أنطونيوبنيفينى » -